أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
209
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بل هي مادة مستقلة . وقيل : أصله من كبده إذا أصابه بمكروه ، أثّر في كبده وجعا كقولك : رأسته أي : أصبت رأسه ويدل على ذلك قراءة لا حق بن حميد « 1 » « أو يكبدهم » بالدال ، والعرب تبدل التاء من الدال قالوا : هرت « 2 » الثوب وهرده ، وسبت رأسه وسبده « 3 » . وقد قيل : « إنّ قراءة لا حق أصلها التاء ، وإنما أبدلت دالا كقولهم : سبد رأسه وهرد الثوب ، والأصل فيهما : التاء » . وقوله : فَيَنْقَلِبُوا مرتّب على ما تقدّم . والخيبة : عدم الظفر بالمطلوب ، خاب يخيب خيبة . و « خائِبِينَ » نصب على الحال . قوله تعالى : أَوْ يَتُوبَ : في نصبه أوجه : أحدها : أنه معطوف على الأفعال المنصوبة قبله تقديره : ليقطع أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذّبهم ، وعلى هذا فيكون قوله « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ » جملة اعتراضية بين المتعاطفين ، والمعنى : أنّ اللّه تعالى هو المالك لأمرهم ، فإن شاء قطع طرفا منهم أو هزمهم ، أو يتوب عليهم إن أسلموا ورجعوا ، أو يعذبهم إن تمادوا على كفرهم ، وإلى هذا التخريج ذهب جماعة من النحاة كالفراء والزجاج . والثاني : أن « أَوْ » هنا بمعنى « إلّا أن » كقولهم : « لألزمنّك أو تقضيني حقي » أي : إلّا أن تقضيني . الثالث : « أنّ » « أو » بمعنى « حتى » أي : ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب . وعلى هذين القولين فالكلام متصل بقوله : « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ » والمعنى : ليس لك من الأمر شيء إلّا أن يتوب عليهم بالإسلام فيحصل لك سرور بهدايتهم إليه أو يعذبهم بقتل أو نار في الآخرة . فيتشفّى بهم . وممّن ذهب إلى ذلك الفراء وأبو بكر ابن الأنباري . قال الفراء : « ومثل هذا الكلام : « لأذمّنّك أو تعطيني » على معنى : إلا أن تعطيني ، وحتى تعطيني . وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول امرئ القيس : 1431 - فقلت له لا تبك عينك إنّما * تحاول ملكا أو تموت فتعذرا « 4 » أراد : حتى تموت ، أو : إلّا أن تموت » قلت : وفي تقديره بيت امرئ القيس ب « حتى » نظر ، إذ ليس المعنى عليه ؛ لأنه لم يفعل ذلك لأجل هذه الغاية ، والنحويون لم يقدّروه إلا بمعنى « إلّا » . الثالث : أنه منصوب بإضمار « أن » عطفا على قوله : « الْأَمْرِ » كأنه قيل : « ليس لك من الأمر أو من توبته عليهم أو تعذيبهم شيء » ، فلمّا كان في تأويل الاسم قبله فهو من باب قوله : 1432 - ولولا رجال من رزام أعزّة * وآل سبيع أو أسؤك علقما « 5 » وقوله : للبس عباءة وتقرّ عيني * أحبّ إليّ من لبس الشّفوف « 6 »
--> ( 1 ) تقدمت ترجمته . ( 2 ) هرت الثوب وهرده : مزقه . ( 3 ) سبّد شعره : استأصله حتى ألزمه بالجلد والمكان جميعا . اللسان ( سبد ) 1918 . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) تقدم .